فخر الدين الرازي

40

النبوات وما يتعلق بها

كله محكم ، أو فيه آيات منسوخة بآيات هي في القرآن ؟ أو بأحاديث ؟ وسبب اختلافهم : « موهم التعارض » الظاهر بين الآيات ، مثل قوله تعالى : « فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ » ومثل : « فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ » فان القتل والعفو متعارضان في المعنى بحسب الظاهر . وهذا سبب اختلافهم ، وقول بعضهم بالنسخ ، أي بآيات تقرأ للتعبد بها ، وليس للعمل بما تدل عليه . والذين منعوا النسخ في أي آية قرآنية وفقوا بين الآيات الموهمة للتعارض في المعنى ، وأظهروا التوفيق بأسلوب واضح يدل على فهمهم الصحيح لكتاب اللّه تعالى . وهذه أمثلة للتوفيق بين الآيات : المثال الأول : يقول القرطبي في الآية الخامسة من سورة التوبة ، وفيها : « فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ » : « قال الحسين بن الفضل : نسخت هذه كل آية في القرآن فيها ذكر الاعراض والصبر على أذى الأعداء » ويقول القرطبي في الآية التاسعة بعد المائة من سورة البقرة وفيها : « فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا » : « هذه الآية منسوخة بقوله : « قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ » إلى قوله « صاغِرُونَ » عن ابن عباس . وقيل : الناسخ لها : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ » وبالتأمل في المعنيين نجد أن العفو والصفح إلى غاية ، وهي « حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ » فإذا جاء الأمر بالقتال انتهى العفو والصفح وعلى ذلك فالعفو والصفح في زمن . والقتل في زمن آخر ، واختلاف الزمنيين يمنع القول بالنسخ . ولقد جاء العفو والصفح في الآية عقب حكاية اللّه تعالى عن حسدهم للمسلمين . فان الحاسد يظهر من فمه ما يدل على غيظه وحنقه ، رغم أنفه ، كما يقول تعالى عنهم : « قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ ، وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ » [ آل عمران 118 ] وفي هذه الحالة يجب العفو والصفح . لكن إذا اشتد الحسد حتى حملهم على حمل السلاح في وجوه المسلمين . ففي حالة حمل السلاح يجب على المسلمين أن يقاتلوهم حتى يسلموا ، أو يسالموا بدفع الجزية . المثال الثاني : يقول القائلون بالنسخ : أن اللّه تعالى حرم الخمر على الناس بالتدريج ، وأول ما نزل في التحريم من القرآن - على رأى - : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ؟ قُلْ : فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ، وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما » [ البقرة 219 ] ثم بعده : « لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ،